الثلاثاء 3 فبراير 2026 | 11:19 ص

لواء زغلول يكتب :"محطات فى حياتى"


كتب /لواء أحمد زغلول

المحطة التاسعة عشرة •• حين يصمت المنبر وتتكلم الرهبة

في مسيرة الإنسان محطات لا يختارها بل تُلقى في طريقه فجأة كاختبارٍ صامتٍ لقلبه قبل لسانه والمحطة التاسعة عشرة من حياتي كانت واحدة من تلك اللحظات الفارقة التي تعلّمك أن بعض المواقف أكبر من قدرتك وأعمق من استعدادك وأصدق من أي تصورٍ مسبق كنت آنذاك عضو بأحد البعثات الدبلوماسيه بالخارج وان المنطقه التى بها مقر اقامة البعثه لايوجد بها مساجد وكانت صلاة الجمعة بالنسبة لنا فريضة لا تقبل التهاون رغم الغربة وضيق الإمكانات
حيث كان أحد أعضاء البعثة الدبلوماسية يتولى مهمة إمامة المصلين وإلقاء خطبة الجمعة مستعيناً ببعض الكتب المتخصصة يقرأ منها ما يعيننا على أداء الشعيرة في وقتها غير أن هذا العضو حصل على إجازة إلى أرض الوطن وغاب عنّا ومع انشغالنا بأعباء العمل لم ننتبه إلى أن غيابه سيترك فراغاً في صلاة الجمعة حتى جاء يومها وكانت المفاجأة أن قام رئيس البعثة السفير أحمد إسماعيل عبد المعطي إن ذاك مساعد وزير الخارجية السابق
بتكليفي بهذه المهمة إماماً وخطيباً لصلاة الجمعة لم يكن التكليف تشريفاً بقدر ما كان رهبة خالصة كان ظنه وحسن ظنه أنني مواظب على الصلاة ملتزم وأن الأمر يسير لكنه لم يكن يعلم ولم أكن أعلم أنا نفسي أن الوقوف على المنبر ليس مجرد كلمات بل مقام والمقام ثقيل .

وقف أعضاء التمثيل الدبلوماسي ينتظرون بدء الخطبة وفي داخلي كنت أبحث عن طوق نجاة .

قصة حضرت قبل الخطبة وغابت على المنبر

راجعت ذهنياً قصة عظيمة من عصر النبوة قصة صحابي جليل علّمنا أن الإخلاص قد يرفع الإنسان إلى مقامات لا يبلغها كثير العمل إنه الصحابي الجليل معاوية بن معاوية المُزني رضي الله عنه

ففي إحدى الغزوات افتقد النبي صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه فقيل له
لقد مات معاويه بن معاويه في المدينة فأخبره جبريل عليه السلام أن هذا الصحابي قد صلّت عليه سبعون ألف مَلَك صلاة الجنازة لما له من منزلة عظيمة عند الله فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحاب :

صلّوا على أخيكم صلاة الغائب

تعجب الصحابة وسألوا لما نال هذه المنزلة؟ فقال صلى الله عليه وسلم ان معاويه كان يُكثِر من قراءة سورة الإخلاص بإخلاص لأنها صفة الرحمن

حيث كنت أنوي أن تكون هذه القصة محور خطبتي لكن المنبر كان له رأي آخر

حين شُلّ اللسان وتكلم القلب

ما إن صعدت المنبر حتى شُلّ لساني
تبددت الكلمات وتلاشى ما أعددته في ذهني أدركت في تلك اللحظة أن الوقوف حيث وقف الأنبياء والعلماء ليس أمراً هيناً وأن هذا المقام لا يُقاس بثقة الإنسان في نفسه بل بثقله في ميزان الله فاضت الدموع دون إذن وبكاء لم أستطع السيطرة عليه وخرجت الكلمات من القلب لا من الذاكرة :
يا عباد الله إنني في موقف لا أُحسد عليه موقف ساقني إليه القدر ولا أجد ما أقوله سوى استغفروا الله وعودوا إليه نحن بين يديه الآن نتدرع التوبة ونلجأ إلى رحمته فلا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه .

دعوت الله وبكيت وبكى قلبي قبل عيني ثم أقمت الصلاة وأنا في قمة التأثر مدركاً أنني خرجت من هذه التجربة إنساناً آخر جرت هذه المحطة بحضور قامات دبلوماسية رفيعة من بينهم السفير مدحت المليجي سفير مصر السابق في عدة دول، آخرها الكاميرون
إلى جانب عدد كبير من أعضاء السلك الدبلوماسي والإداري والمالي والأمني لكن رغم الأسماء والمناصب بقي الموقف أكبر من الجميع .

رسالة المحطة

هذه المحطة ليست حكاية شخصية بقدر ما هي رسالة :

أن الكلمة ليست سهلة وأن الموعظة ليست ارتجالاً وأن الوقوف أمام الناس باسم الدين مسؤولية لا يحملها إلا من أعدّ لها قلباً وعلماً وصدقاً ليس كل من ظنّ أنه قادر على تغيير الكون بكلمة يملك أدوات هذا التغيير وليس كل من صعد منبراً كان مستعداً لرسالته الجليه .

إيجابيات المحطة
    ١- تعلّمت معنى الرهبة الحقيقية من الله .
    ٢- أدركت أن الإخلاص أعظم من كثرة الكلام .
٣-     أيقنت أن الله قد يستخدم ضعفك ليذكّرك بحقيقتك .
    ٤- ازددت تواضعاً أمام مقامات العلم والدعوة .

التوصيات من هذا التجربه الثريه

    ١- لا تتصدر قبل أن تُعِدّ نفسك علمياً وروحياً .
    ٢- اعرف قدر الكلمة قبل أن تنطق بها .
    ٣- المنبر أمانة وليس منصة .
     ٤- الإخلاص قد يرفع الإنسان حيث لا ترفعه المناصب .
     ٥- إذا اختارك القدر لموقف عظيم فالجأ إلى الله لا إلى نفسك .

استطلاع راى

هل تعتقد أن الربط بين المناهج وسوق العمل الذي تناقشه لجان البرلمان حالياً سيمثل حلًا جذريًا لأزمة البطالة؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 6120 جنيهًا
سعر الدولار 47.24 جنيهًا
سعر الريال 12.64 جنيهًا
Slider Image